غزة / أنس أبو عقلين:
في خيمة تعليمية بدائية في مواصي خان يونس، يحاول عشرات الأطفال استعادة مهارات القراءة والكتابة عبر مبادرة "اقرأ"، بعد أن حرمتهم الحرب من مدارسهم لسنوات. يجلس الأطفال على الأرض أمام سبورة خشبية بسيطة، يرددون حروف اللغة العربية خلف معلمة متطوعة، في مشهد يجسد إصرارهم على مواصلة التعلم رغم الحرب التي حوّلت المدارس إلى ركام، وحرمت آلاف الطلبة في قطاع غزة من حقهم في التعليم.
فمع استمرار الحرب وما رافقها من نزوح قسري لعشرات آلاف العائلات، لم يفقد الأطفال منازلهم فحسب، بل انقطعوا عن بيئتهم التعليمية، وفقد كثير منهم كتبهم وحقائبهم المدرسية، إلى جانب تعرضهم لصدمات نفسية أثرت في قدرتهم على التعلم والاستمرار في مسيرتهم التعليمية.
ولم يكن أثر الحرب على الأطفال مقتصرًا على فقدان المكان التعليمي، بل امتد إلى تراجع المهارات الأساسية التي اكتسبوها خلال سنوات الدراسة، الأمر الذي دفع مبادرات تطوعية إلى محاولة سد هذا الفراغ، وإعادة الأطفال تدريجيًا إلى أجواء التعلم.
وسط هذه الظروف، أطلق المرشد التربوي مصطفى أبو ظاهر مبادرة "اقرأ" التعليمية والإرشادية في منطقة مواصي خان يونس، بهدف الحد من الفاقد التعليمي لدى الأطفال النازحين، ومساعدتهم على استعادة مهارات القراءة والكتابة، إلى جانب تقديم الدعم النفسي لهم.
يقول أبو ظاهر لـ"الاستقلال"، إن التقييمات الأولية التي أجرتها المبادرة أظهرت أن معظم الأطفال المستهدفين فقدوا جانبًا كبيرًا من مهارات القراءة والكتابة نتيجة الانقطاع الطويل عن الدراسة، كما ظهرت عليهم آثار نفسية ناجمة عن الحرب وتجارب النزوح المتكررة.
وأضاف أن المبادرة تقوم على مسارين متوازيين؛ الأول يركز على الدعم النفسي من خلال أنشطة إرشادية تساعد الأطفال على تجاوز مشاعر الخوف واستعادة الشعور بالأمان، بينما يهدف الثاني إلى إعادة تأسيسهم أكاديميًا عبر دروس تقدمها معلمات متطوعات في القراءة والكتابة.
استجابة لافتة
من جانبها، توضح المعلمة المتطوعة داليا المقيد أن المبادرة ركزت على الأطفال في المراحل العمرية المبكرة، باعتبارهم الأكثر تأثرًا بالانقطاع عن الدراسة خلال السنوات الماضية، والحاجة الأكبر إلى استعادة المهارات الأساسية التي فقدوها.
وأشارت المقيد خلال حديثها مع مراسل "الاستقلال"، إلى أن نتائج العمل الميداني بدأت تظهر خلال فترة وجيزة، إذ أبدى الأطفال استجابة ملحوظة، وانعكس ذلك على تحسن مستوياتهم في القراءة والكتابة. وأضافت أن هذه النتائج تعكس تمسك الأطفال بالتعلم رغم ظروف الحرب وما خلفته من تحديات.
ولم يقتصر هذا التحسن على الصفوف التعليمية، بل لمسه أولياء الأمور أيضًا. وتقول زينة أبو عزوم، وهي والدة عدد من الأطفال المستفيدين من المبادرة: "كان أبنائي قد نسوا الحروف تمامًا بعد الانقطاع الطويل والنزوح، ولكن بعد التحاقهم بمبادرة (اقرأ)، لمست فارقًا كبيرًا؛ فقد أصبحوا قادرين على القراءة والكتابة مجددًا، وهو ما أعاد إلينا الأمل في أن مستقبلهم لن يضيع."
تحديات ميدانية
ورغم النتائج التي حققتها المبادرة، فإنها لا تزال تواجه تحديات ميدانية تحد من قدرتها على استيعاب مزيد من الأطفال. وتوضح سلوى أبو عيد، المتطوعة في المبادرة، أبرز هذه التحديات والتي تمثلت في تزايد أعداد الأطفال الملتحقين بما يفوق القدرة الاستيعابية للمكان، ما يضطر كثيرًا منهم إلى الجلوس على الأرض في ظل نقص الكراسي والطاولات.
وتضيف أبو عيد لـ"الاستقلال"، أن ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام يشكل عبئًا إضافيًا على الأطفال والمعلمات المتطوعات، إلى جانب محدودية الوقت المخصص للتدريس، إذ لا يتجاوز الدوام اليومي ساعتين ونصف الساعة، بسبب عدم توفر مقر دائم للمبادرة.
ورغم هذه التحديات، تواصل المبادرة عملها في محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال، وتوفير بيئة تعليمية بديلة تساعدهم على تجاوز آثار الانقطاع عن الدراسة، في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب والنزوح.
وتمثل مبادرة "اقرأ" في مواصي خان يونس نموذجًا لجهود المتطوعين في الحد من آثار الفاقد التعليمي، عبر توفير مساحة تعليمية مؤقتة تساعد الأطفال على استعادة مهاراتهم الأساسية، والتمسك بحقهم في التعلم رغم قسوة الظروف. كما تقف المبادرة شاهدًا حيًا على أن نور العلم لا ينطفئ أمام ظلام الحرب، وأن أطفال غزة يواصلون التشبث بحقهم في التعليم، بما يحمله من أمل في مستقبل أكثر استقرارًا.
في خيام النزوح.. مبادرة "اقرأ" تعيد أطفال غزة إلى طريق التعليم
تقارير وحوارات


التعليقات : 0